السيد كمال الحيدري

73

المعاد روية قرآنية

بالطبع كلّا ، لأنّ هذا العقاب لا ينسجم مع طبيعة العمل الذي قام به ، وهذا كلّه على فرض أنّ العاصي والفاسق والمجرم نال عقابه ، وإلّا فإنّ كثيراً من الطواغيت والمجرمين رحلوا عن هذه الدُّنيا دون أن ينالوا جزاءهم . ويمكن أن يُثار هنا سؤالٌ آخر ، وهو : لماذا لم يرتّب الله تعالى قوانين هذه النشأة عالم الدُّنيا بصورة لا يمكن معها أن يفلت القاتل من القصاص ، والفاسق من العقاب . . . وهكذا ؟ والجواب : إنّ طبيعة نشأة العمل شئ ، وطبيعة نشأة الجزاء شىءٌ آخر . وهاتان النشأتان لا يمكن أن تجتمعا في نشأة واحدة ، إذ إنّ طبيعة الدُّنيا من سنخ مغاير لطبيعة الجزاء الذي ينسجم مع العمل ، فالقوانين مختلفة في كلّ نشأة ؛ قال تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ ( إبراهيم : 48 ) . فلابدّ من الانتقال إلى نشأة أخرى حتّى يمكن للجزاء أن يوافق وينسجم مع العمل الذي وجِد . وقال أمير المؤمنين عليه السلام : « إنّ الله سبحانه وتعالى لم يرتضِ هذه الدُّنيا لا ثواباً لأوليائه ، ولا عقاباً لأعدائه » « 1 » . والسبب في ذلك هو أنّ الله سبحانه وتعالى لا يمكن بمقتضى عدله أن يعطى الإنسان في هذه النشأة الدنيويّة جنّات ، وبساتين ، ونعيماً . . . لأنّ الدُّنيا مخلوطة بالألم والأمراض وغير ذلك من الفتن ، فطبيعة هذه النشأة أنّها اختلط فيها النعيم أو اللذّة مع الألم . وحتّى لا يقع الاشتباه والالتباس في قوله « لا يمكن له » فإنّ مرادنا من ذلك هو إنّ طبيعة هذه النشأة الدنيويّة غير قابلة لأن يكون العمل والجزاء فيه في مكان واحد .

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق : الكلمات القصار ، رقم : 415 .